مقترحان لحماية “حريّة الرأي” المكفولة دستوريًّا من التهديد بالسجن!

 

رعد العراقي 

يشهد الوسط الرياضي العراقي، بين الفينة والأخرى، ما يعتبرهُ البعض “مُصادرة حريّة الرأي” و “انتكاسة حقوق الصحفيين” حيث باتت مُهدّدة ومُقيّدة تحت سُلطة القانون، وبذلك تشكّل سابقة لا يمكن معها ضمان الاحساس بالحريّة التي من المفترض أن تكون ركيزة النظام الحالي.

قضايا من هذا النوع تأخذ مديات واسعة من الآراء بين مؤيّد ومعارض برغم اتفاق الجميع على نزاهة القضاء الذي يمثل القرار الأخير الذي يفصل في البتِّ في الخصومة بين المُدّعي والمُدّعي عليه، وبالتأكيد فإن الحكم يستند إلى مواد قانونيّة نافذة تكون حاكمة في تكييف الحُكم على الفعل الثابت بالدليل.

هناك من يرفض فكرة أن تصل خصومات قضايا الرأي إلى سجنِ أحّد الطرفين ومصادرة حرّيته مع أن ما قام بهِ ربما يمثل جزءًا من طبيعة عمله كباحث عن المعلومة ويمكن أن تسبّب له خلافات وتقاطعات مع جهات بعينها تلحق به الضررّ!

بالمقابل، هناك من يؤكّد على أحقيّة أي شخص متضرّر من الرأي أن يطالب بالقصاص عند تعرّضه للتشهير أو القذف أو السبّ أو اتهام دون أدلّة واضحة ودامغة تحت سلطة أن حريّة الرأي غير مُطلقة، بل تمثل إساءة حين تتجاوز على حرية الآخرين أو تمسّ كرامتهم.

المُعضلة الحقيقيّة تتمثل في أكبر فخّ يتعرّض له صاحب الرأي دون أن يكون هناك من يشرح ويفسّر ويحذر من خطورة عدم إدراك وفهم القوانين النافذة بعد أن أخذ ما يُعرف بـ”حريّة الرأي” حيّزًا كبيرًا سيطر على التصرّفات والأعمال وكأنّ هو الساتر الدفاعي الأوّل الذي كفله الدستور وفق المادة (38) الذي فسّر على أنه اطلق حريّة التعبير للصحافة ولوسائل الإعلام، فكان الأغلب يستند إلى حقّ أقرّه الدستور له، وأن الدولة هي مَن تحفظ هذا الحقّ.

كان الانفتاح بلا تقييد في النقد وأسلوب طرح القضايا وخاصّة فيما يتعلّق بالاتهامات وملفات الفساد وسوء الإدارة في وقت أتت تلك الفقرة كانت شبه مقيّدة بعبارة (بما لا يخلُّ بالنظام العام والآداب) وكلمة الآداب بمفهومها الواسع والمطّاط هي (مجموعة القواعد والأحكام المتعلّقة بالأخلاق والحِشمة والمحاسن والمساوئ. وعلى الجميع اتباع الفرز الحقيقي بين هذه المفردات وقراءتها وتطبيقها بشكل سليم) لذلك فهي يمكن أن تشكّل حجّة وحقاً لأي شخص تحت أي عنوان في رفع دعوى قضائيّة ضد – صاحب منشور في موقع “الفيسبوك” أو منصّة (أكس) أو ربما مقالة لصحفي أو برنامج تحليل لإعلامي –  لا يلتزم بما ورد في تفسير المادّة المذكورة!

أما الفخّ الأكبر هو عدم معرفة الكثير بما ورد بالمادة 130 من الدستور التي تنصُّ على ما يلي (تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، ما لم تلغَ أو تعدّل، وفقاً لأحكام هذا الدستور) وهو أن كُل التشريعات السابقة وبما فيها قضايا التشهير والسبّ والقذف لازالت نافذة قانوناً طالما أنها لم تلغى أو تعدل وتأخذ بها المحاكم في البتّ بالأحكام عن التهم المعروضة أمامها، وبالتالي فإن حريّة الرأي للصحافة والإعلام لازالت مقيّدة في مفهومها العملي الحقيقي. وهو الأمر الذي نظنُّ أنه غاب عن كُل من المُدّعي والمُدعى عليه في قضية من هذا النوع وربّما يتفاجأ صاحب الرأي بالحُكم الصادر وكان يمكن أن يلجأ إلى حل الأمر بأي وسيلة بعيدًا عن القضاء!

نحتاج إلى حملة وتوعية وندوات ومحاضرات تثقيفيّة لكُل العاملين في الصحافة والإعلام لرفع الضبابيّة في تفسير مواد الدستور والقوانين الحاكمة المتعلّقة بحريّة الرأي  ولابأس في اصدار كتيّب من قبل نقابة الصحفيين يتم فيه شرح كُل أسس العمل وتحديداته والقوانين النافذة وحدود الرأي والمعنى القانوني لمصطلح الآداب وأي قواعد أخرى تخدم وتحصّن العاملين في هذا المجال حتى لا يكونوا ضحايا الاعتقاد بأن القانون والدستور منحهم الحماية المُطلقة بلا حدود عندها ستكون النقابة وإجراءاتها هي الساتر الأول لحماية أعضائها وتسليحهم بفكر قانوني يتقن فن النقد والطرح ولا يحتاج إلى (عطف أو صفح أو تسامح أو تنازل) من صاحب الدعوى القضائيّة.

المقترح الآخر، أن يتم تشكيل لجنة في نقابة الصحفيين تحت مسمّى (لجنة فضّ نزاع حريّة الرأي) تتولّى النظر بالشكاوي المرفوعة على أعضاء النقابة والمتعلّقة بخرق حدود حريّة التعبير من الإساءة والتشهير والقذف، ويتم منحها صلاحيّات بعقوبات إداريّة رادعة تتناسب وحجم الضرر في حالة ثبوت صحة الشكوى على أن يجري التنسيق مع السُلطات القضائيّة والحكوميّة لإصدار توجيه مُلزم يفرض على أي صاحب دعوى بهذا الخصوص عرضها على تلك اللجنة قبل تقديمها للمحاكم المختصّة كمحطّة يمكن أن تحمي “حريّة الرأي” من جهة وترضي أطراف النزاع وتسمو بنقابة الصحفيين كسُلطة رابعة وتحفظ بيت الصحفيين، وفي حالة عدم اقتناع أحّد الأطراف بقرار اللجنة يحقُّ له التوجّه إلى المحاكم ويكون قرار اللجنة إحدى الوثائق في اضبارة الدعوى التي تعرض أمام أنظار القضاء.

Print Friendly, PDF & Email
أنشر عبر

شاهد أيضاً

“يويفا” يتوقع تحقيق مليار دولار من تذاكر يورو 2024

  متابعة- فوز بلغ عدد تذاكر المباريات المعروضة للبيع في بطولة الأمم الأوروبية “يورو 2024” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *