مشروع البطل الأولمبي وموجباته !!

 

التصريحات المستعجلة لا تصنع منجزات بل تعطّلها !!               

د. باسل عبدالمهدي*

قبل أيّام نشر تصريح اطلقه السيد مستشار دولة رئيس مجلس الوزراء حول مشروع البطل الأولمبي والأماني التي يمكن أن يحققها في دورة الألعاب الأولمبيّة التي ستنظّمها أستراليا في العام 2032.

حديث الأخ الأستاذ خالد كبيان فيه الكثير من التجني على جهود الآخرين وتأريخ الرياضة العراقية والجوانب المُضيئة من منجزاتها.

أنه يوحي لقارئه كمن يريد أن يقول ، أن التأريخ الرياضي العراقي قد ابتدأ مع تأريخ قدومنا !!

فالمتابع الحريص ومنهم الأخ خالد يعلم جيّدًا بأن هناك منذ سنوات طويلة قبل هذا الإعلان ، ولا زال ، العديد من المشاريع ( الطوعيّة أو الرسميّة ) التي اهتمّت بهذا النوع من العمل في تحضير المنجزات .

ففي العام 1981 مثلاً ، بدأ العمل بمشروع المدرسة الرياضيّة في وزارة الشباب ، خرّبته وحصيلته النوعيّة تلك المزاجيّة الغريبة لوزير الشباب حينها عام 1983(نوري فيصل شاهر) بعد عمل وجهود علميّة ونتائج طيّبة استمرّت سنتين متواصلتين!!

اعقب ذلك بعد السقوط مباشرة مشروعُا للبطل الأولمبي في اللجنة الأولمبيّة تلاشت أعماله مع حادث الاختطاف المؤلم لرئيس اللجنة وصحبه عام 2006 . ثم المشروع الثاني للبطل الأولمبي بعد العام 2009 . المشروع الذي انفقت عليه المليارات كما امتدّت نشاطاته إلى العديد. من المحافظات ، تعثرت مسيرته واستقرار نتائجه ، كما في سابقه بسبب المزاجيّة والأمية التي تميّزت بها بعضاً من قرارات المواقع التنفيذيّة العُليا في الأولمبيّة.

تأسيس مركز رعاية الموهبة

في العام 2011 وبقرار رقم 132 صادر عن مجلس الوزراء أسّس في وزارة الشباب والرياضة بموجب نظام أعدَّ خصيصًا لهذا الغرض مركزاً حكوميًّا رسميًّا لرعاية الموهبة الرياضيّة . ينتمي ويتدرّب اليوم في فروعه المنتشرة في العديد من المحافظات أكثر من 3000 طفل وطفلة يعدّون بدنيًّا ونفسيًّا وتربويًّا في (13 نوعًا من ضروب الرياضة، وستزداد برؤية مدروسة) ، يتدرّبون بإشراف مدرّبين ومدرّبات أكفاء يعملون وفقاً لبرامج وفعاليّات تستوفي مستلزمات تحضيرها .

مراكز الموهبة أعلاه قرّرت لها تخصيصات ماليّة سنويّة محسوبة بعناية بموجب النظام أعلاه .. ما يؤسِف الإشارة إليه بأن بعضًا ممّا تقرّر للمشروع من أموال قد استغلّت ووظفت في أحيان عدّة إلى غير غاياتها المُقرّة من قبل أعلى مواقع القرار في الوزارة المذكورة بذريعة اسموها ( الاستثمار ) لم تجلب لا للرياضة ولا لمنجزاتها قرشًا واحدًا مفيدًا .

كان يفترض بالجهة المتحدّثة ، وأعني ، الأخ الأستاذ كبيان ومعاونيه أن تدرس هذه المشاريع ونتاجاتها وكلّفها ومشاكلها قبل تصريحات تخلو من تحسّبات قانونيّة وفنيّة صِرفة سترتّب على المشهد الرياضي تعقيدات إضافيّة لا مبرّر لها،

وبلا أي شكل من الرياء نؤكّد ، بأن الدعم المباشر من قبل دولة رئيس مجلس الوزراء يُعد أمرًا مفيدًا وفي غاية الأهميّة ، إلا أن مشاريع من هذا النوع يفترض أو يجب أن تحاط بسريّة وأن لا يتم التداول بها عبر الفضائيّات أو وسائل التواصل الاجتماعي لأغراض إعلاميّة لا مبرّر لها .

من المؤلم حقاً أن نقوم بستر فشل إدارتنا للمسؤوليّة عبر مثل هذه التصوّرات نحو تطلّع غريب تمتدّ غاياته لثمانية سنوات مقبلة حتى دورة الألعاب الأولمبيّة عام 2032 في أستراليا !!

آليّات عمل بالية ومُتخلّفة!!

فليس مهمًّا بمكان أن نتحدّث بما هو صحيح وإنما المهمّ أن نعمل ما هو صحيح . نقول ونكرّر ذلك لأن غالبيّة الاتحادات الرياضيّة العراقيّة ، كما هو الحال في اللجنة الأولمبيّة وهي الجهات الرسميّة المعنيّة في صناعة الإنجاز لا زالت متمسّكة بأساليب وآليّات عمل بالية ومُتخلّفة تركها العالم المتحضِّر رياضيًّا منذ عهود . إن أنظمة المسابقات السنويّة المعتمدة في برامج أغلبيّة الاتحادات الرياضيّة في بلدنا إما مُغيّبة أو لا زالت تخضع إلى اجتهادات مزاجيّة وشخصيّة حوّلتها في الغالب إلى مشاريع انتخابات !! كذلك فإن كميّة الحمولات التدريبيّة المُسلّطة على الرياضيين العراقيين عمومًا في وحداتهم التدريبيّة من ناحيتي الكم والنوع أيضًا تعد ضعيفة مقارنة بما يوظّف اليوم من وسائل في عالم البطولات ، الحالة التي يستحيل معها أن تعطي المردودات التي وَعَدَنا بها الأستاذ كبيان في بيانه . فبدلاً من نظام التقسيم السنوي وتوقيتات منافساته المعرفة ، تحوّلت الرياضة وانشطة غالبيّة الاتحادات فيه إلى رياضة سفر ومعسكرات خارجيّة ، لم تعطِ ولن تعطي ثمار استخدامها المكلّف لأنها أمست وكأنها وسيلة للسياحة ولعدد محدود جدًّا من الرياضيين.

ليس مُعيبًا أن يعترف الإنسان ويتراجع عمّا ارتكبه من هفوات أو أخطاء في منهاج عمله لأجل تصحيح مسيرة العمل وضمان نتائجه وهو ما لم نشهده في عمل أي من الاتحادات الرياضيّة خلال الحقبتين ونيف المنصرمة .

إن الإخوة من المتصدّين في المواقع الأعلى في القرار الرياضي منذ سنوات. يتفطنون الآن في موضوعة صناعة البطل الأولمبي وفي مهمّة تستوجب الصبر حتى العام 2032 والدورة الأولمبيّة في أستراليا .

ما مصير قرارات المؤتمر الرياضي العام؟

أليس في الأمر ما يدعو للتفتيش عن مبرّرات مثل هذا الاجتهاد وهل من حقّ السائِل أن يستفسر عن مصير قرارات المؤتمر الرياضي العام وفي أي دُرج خبّأت الدراسات والبحوث المقدّمة كُل الشهور والسنين المنصرمة؟ ثم متى سنلمس تأثيرات قانون الرياضة الموحّد وسياسات الاستثمار وتحويل الأندية الرياضيّة إلى ما يشبه الشركات المساهمة؟ وكيف يمكن مواجهة تأثير القرارات الدعائيّة والمظهريّة الساذجة واللجوء نحو تعميق حدّة التكتلات والانقلابات الانتخابيّة التي اتسمت بها المسيرة الأولمبيّة واتحاداتها كُل الحُقبتين الماضيتين منذ السقوط وإلى اليوم؟ وأين هي نتائج تحقيقات فضائح تكرار تعاطي المنشطات المحظورة وتساقط العديد من رياضيي المنتخبات في شراكها عربيًّا ودوليًّا؟

لا نريد وليس قصدنا أن نخدّش مسامع القارئ الكريم بما تراكم في هذه المسيرة من تجاوزات وفضائح مُخجلة نقلت العديد من مسؤوليها إلى مواقع يستحقونها خلف القضبان .

إنها كلمات ومشاعر محمّلة بالاحترام نوجّهها إلى الأخ مطلق التصريح نرجو ونتمنى عبرها وجوب العودة إلى سجلات هيئة النزاهة وإلى التقارير المكدّسة والمنسيّة لديوان الرقابة الماليّة خلال كُل السنوات المارّة للاطلاع على ما اكتنف العمل الرياضي العراقي إجمالاً من تلاعب وتزوير واستغلال .

ولكي نكون على بيّنة أوضح نفصح بأن ما يُنفق على الرياضة العراقيّة من الميزانيّة السنويّة التشغيليّة للحكومة ( نكرّر التشغيليّة وليس الاستثماريّة ) يصل إلى قرابة 500 مليار دينار سنويًّا بضمنها الميزانيّة المقرّرة للأولمبيّة وما يتقرّر لوزارة الشباب والرياضة والأهم ما يُنفق من ميزانيّات الوزارات الرسميّة على الأندية المؤسّساتيّة المُنتمية لها والتي تجاوزت أعدادها حدود المعقول ، نتيجتها أن تحوّلت الدولة وحكومتها وميزانيّتها إلى شريك مُساهِم في عمليّات بيع وشراء لاعبين محترفين، وهي ظاهرة غريبة فعلاً لا وجود لها في أي من بلدان العالم المتحضّر وغير المتحضّر أيضاً .

إن النفقات والتخصيصات الماليّة أعلاه لا تشمل ما يُنفق على الرياضة في إقليم كردستان ومحافظاته الثلاث التي يعمل بعض أنديتها بعقليّة احترافيّة فيها جوانب أجود ممّا هي عليه في أندية الوسط والجنوب عمومُا ولدت معها حالة من الاستقرار المطلوب .

وما الحل؟

ولكي نتجنب ما سيصيبنا من أذى نتيجة سهام المتطفلين تجاه مضمون هذه المقالة . كذلك لكُل من يؤمِن أو يروّج بأن المال وحدهُ من يستطيع أن يصنع إنجازات دون فكر بناء حديث أو خبرات علميّة تنتهج سياسة رياضيّة منتجة تستمدّ أسسها من صلب المشاكل والاوضاع والتقاليد والظروف السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والجغرافية والمناخيّة والتأريخيّة أيضًا. نقول كي نتجنب كُل ذلك نعود إلى تكرار ما واصلنا على إعلانه ونشره ، ملخصه ما يلي :

سوف لن تقوم قائمة لرياضة بلدنا العزيز نحو تحقيق ما تطمح نحوه تصريحات الأخ مستشار دولة رئيس مجلس الوزراء من إنجازات دون السعي لإعادة بناء هيكل تنظيمي جديد للرياضة العراقيّة ومؤسّساتها كافة. هذا الأمر يمكن أن يتم عبر الإجراءات التالية نعرضها باختصار :

1- تشكيل المجلس الوطني الأعلى للرياضة في العراق برئاسة أحّد نواب رئيس مجلس الوزراء ، يضمّ في عضويّته ممثلي الوزارات المعنيّة ومجالس المحافظات والإقليم إلى جانب اللجنة الأولمبيّة وعدد من الخبراء ويعمل بموجب نظام خاص يُعد ويقرّ ( قانونيًّا ) لهذا الغرض .

2- إعادة النظر في الصيغة والشروط التي تؤسّس وتعمل بموجبها الأندية الرياضيّة الأهليّة والمؤسّساتية ومواصفات ومسؤوليّات إداراتها .

3- كذلك الحال بالنسبة للاتحادات الرياضيّة ومناهج أعمالها وحصيلة نتاجاتهم سنويًّا .

4- تنظيم قيام حملة وطنيّة شاملة لإعادة دروس الرياضة الإلزاميّة الأسبوعيّة في نظام التعليم بكُلّ مراحلة وللجنسين. دروس إلزاميّة منهجيّة توظف انسجامًا مع النموّ البدني والتطوّر الفسيولوجي للتلاميذ والطلبة من الجنسين، وليس السباقات الرياضيّة المدرسيّة التي هي أيضاً بحاجة إلى إعادة نظر جذريّة في محتواها ومنهاج تنفيذها .

إن الوصول إلى تحقيق كُل ذلك بنجاح ملموس يفترض أن يستند إلى أرقام ومعلومات وقاعدة من البيانات الإحصائيّة الحقيقيّة ، لا نجد أي داعٍ لعرضها بتفصيلاتها لأن النتائج التي أثمرت عن مشاركة الرياضيين والمنتخبات العراقيّة على الصعيدين القارّي والدولي وحتى العربي وكذلك الأولمبي، كُل الحقبتين المنصرمتين تفصح بجلاء عن الموجبات هذه كما وتؤشر أيضًا الهوّة الكبيرة بين المنفق وحصيلته .

خلاصته:

نطمح في رياضة تعطي أكثر ممّا تأخذ وتعمل أكثر ممّا تتكلّم وتطالب . رياضة تنغمس في حضن الوطن، وفية لمصادر رزقها ، لا تستقوي بالغريب على القريب ولا بالكاذب على الصادق . رياضة خالية من الموبقات ، أمينة مع قَسَمِها ولا تلهيها اتفاقات الغرف المُظلمة ..

رياضة لا تهوى تكديس المواقع ولا تنشغل بالترحال المتواصل والبطولات الوهميّة.. رياضة تتعلّم أكثر ممّا تُعلِّم ، لا تهتمّ بالفبركات والوعود الدعائيّة الفارغة ، رياضة زاهِدة في سلوكها أمينة نحو تطلّعاتها ، تعرف ماذا تتكلّم وتفكّر بما ستتكلّم !!

آنذاك وآنذاك فقط يحقُّ لنا أن نشارك الأخ كبيان ونبارك لهُ مقدّمًا كُل طموحات بيانه المنشور والله من وراء القصد.  

* أكاديمي متخصِّص في ( السياسة الرياضيّة )

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email
أنشر عبر

شاهد أيضاً

“الماتادور” يتوّج بكأس الأمم وينفرد بالإحصائيّات 

  متابعة – فوز رفع لاعبو “الماتادور” كأس أمم أوروبا 17 بجدارة في ليلة قهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *