
كتب: بهاء تاج الدين أحمد
في خضم التغطيات الرياضيّة والتحليلات التي تغزو الإعلام العراقي، قلّما نجد صوتاً خبيراً يُحلِّل بجرأة وواقعيّة بعيدًا عن المجاملات والخطاب الشعبوي، مثلما خرج علينا الكابتن جلال عبدالرحمن، حارس العراق التأريخي، برؤية نقديّة جريئة، لا بدَّ أن نقف عندها، لا لنؤيّدها فحسب، بل نعتبرها جرس تحذير مبكّر لما هو قادم من خيبات، إن استمرَّ عملنا في النهج العشوائي ذاته.
حين قال الكابتن جلال إن مصير الأسود مع أرنولد لا يدعو للاطمئنان، فقد أوجز أزمة مزمنة تعاني منها الكرة العراقيّة، وهي التعامل الانفعالي مع ملف المدرّبين، فقد تعاقب مدرّبون عدّة مع منتخب العراق في تسع محاولات لاجتيازه تصفيات المونديالات السابقة، وهذا ليس مجرَّدَ رقم، بل هو مرآة لسوء الإدارة، وانعدام الرؤية الاستراتيجيّة، حيث غابت فكرة “المشروع” ليحلّ محلها ردّ الفعل السريع على كُل خسارة أو نتيجة سلبيّة.
لا يمكن أن يتحقق أمل المونديال للمنتخب الوطني وسط هذا الضجيج، وتحت الضغط الجماهيري والإعلامي، وبتغيير مدرّبين لا يتوفر لهم الوقت الكافي لبناء شخصيّة تكتيكيّة واضحة للفريق! والكابتن جلال لم يقل سوى الحقيقة، حين ربط هذا التخبّط بعدم تأهّلنا المتكرّر للمونديال برغم امتلاكنا جيلاً بعد جيل من اللاعبين الموهوبين.
أما عن أسئلة الإعلاميين في المؤتمر الصحفي، فهي فعلاً كشفت هشاشة لا يمكن إنكارها، لم نعد نملك مؤسّسة “إعلام رياضي” حقيقي تسأل وتضغط وتُحاسب بعُمق، بل أصبحنا أمام نماذج من المجاملات، أو تسطيح الملفات الجوهريّة، تحت مسمّيات وطنيّة أو تحفيزيّة.
في زمن كانت فيه صحافة الرياضة بالعراق منبرًا للوعي والنقد، تحوّلت اليوم إلى ميكروفونات مفتوحة لمجاملات تضرّ أكثر ممّا تنفع!
ثم جاءت المقارنة التي أطلقها الكابتن جلال بين حماسة الكوريين والأردنيين، وبين واقعنا المتخاذل، لتضع الأصبع على الجرح الأعمق: روح المشروع وروح الفريق، الكوريّون لديهم دوري منظّم، بنية احترافيّة، مدرب يُمنح الوقت والصلاحيّة، وإعلام يُحاسب بوعي لا بصراخ! والأردنيون برغم ضعف الإمكانيّات، استطاعوا أن يحوّلوا الطموح إلى إنجاز، لأنهم احترموا العمل المؤسّسي والتخطيط الهادئ، فبلغوا نهائي آسيا وباتوا رقمًا صعبًا في الطريق إلى المونديال.
أما نحن، فما زلنا نبحث عن “المدرب الساحر” و”التشكيلة المنقذة” و”الاجتماع الحاسم” ونصرّ على تكرار أخطائنا كلّما اقتربنا من أمل كبير.
رأيي حول ما أدلى به الكابتن جلال عبدالرحمن من حديث لـ(فوز) هو تأييدي التام لرؤيته، بل وتوسيع لدائرته، لأن الأزمة ليست في المدرّب الحالي أو القادم، بل في عقليّة من يقرّر مصيره، وفي بيئة ما تزال تنظر إلى كرة القدم كحرب معنويّات لا كمشروع وطني.
إن كنّا حقاً نريد التأهّل لكأس العالم، فلنبدأ بتغيير النهج قبل تغيير المدرب.